غادة صلاح تتحدث عن الوحش الذي أنقذها من الموت

8888 - غادة صلاح تتحدث عن الوحش الذي أنقذها من الموت

لا زلت أتذكر برودة الچِّـل الطبى وملمسه، بينما كان مقبض السونار يحفر فى ثديى خريطة أيامى المقبلة. نظرت إلى طبيبة الآشعة وسألتنى: «أنتِ هنا عشان الكشف الدورى؟»أجبت بخجل: «دى أول مرة أكشف»، فعاودت الطبيبة سؤالى: «أنتِ قلقانة من الكلكيعة دى؟»، أجبت بإيماءة من رأسى، فقالت لى: «أنا كمان قلقانة وعايزة آخد عينة».

أنصحك تستشيرى جراح أورام

توقف تفكيرى للحظات وسرعان ما عاد ليمنحنى الفرصة لقراءة عينيها وسؤالها: «ممكن أراجع الدكتور؟»، أجابت: «طبعاً ممكن، أنصحك تستشيرى جراح أورام!».

وقعت كلماتها على كالصاعقة، ووجدت نفسى فى رحلة مكوكية فى ساعات المساء المظلمة إلى عيادة الجراح، ثم العودة إليها مرة أخرى. أكد لى الجراح أهمية أخذ العينة بالإبرة وتحليلها، وأن احتمالية السرطان عالية مع وجوب استئصاله. اخترقت الطبيبة ثديى بإبرتها المؤلمة وضمدتنى، ثم أعطتنى العينة وطلبت منى أن أوصلها إلى معمل التحاليل فى صباح اليوم التالي. عدت إلى بيتى منهكة وفى يدى شريحة زجاجية. البلورة السحرية التى سوف يقرأون لى منها الطالع.

مرت ست سنوات على أحداث ذاك المساء، ومن الممكن أن أستمر فى كتابة ووصف مشاعرى أثناء رحلة علاج طويلة وسخيفة، بدأتْ بالصدمة والإنكار، ثم الخوف والغضب بعد تشخيصى بسرطان الثدى من الدرجة الثانية، مروراً بجراحة تحفظية لاستئصال الورم، ومعاناتى مع وحش أطلقوا عليه «العلاج الكيميائى»، وآخر أقل وحشية أسموه «العلاج الإشعاعى»، ونهاية بعلاج هرمونى ما زلت عليه إلى الآن لاتعرف مرارته إلا مَن تجرعته. ولكنى لن أفعل هذا، بل سأكتب لكم عن تأثير التجربة على وماذا تعلمت منها؟ وما هى الطاقات التى فجرها المرض بداخلى؟ كيف تغيرت نظرتى لنفسى ولأهدافى فى الحياة؟ وكيف أصبحت ملهمة وداعمة لكثير من السيدات؟

كثيراً ما يتحدثون عن القاع، عن مكان معتم يسقط فيه المرء ويرتطم بقوة، أحياناً يكون بداية لازدهار أو إبداع ما،ن وهذا ما حدث معي. بعد الجلسة الثانية من العلاج الكيميائى وقفت أمام مرآتى فى«ثوبى الجديد»: امرأة تخطت منتصف الأربعينيات، حليقة الشعر، وبندبة كبيرة فى ثديها. وما كان كرهى لهذا الجسد بحاجة إلى المزيد. أدركت أن الحسرة على شبابى وأنوثتى ستهوى بى إلى مكان لا أريد المكوث فيه. بمنتهى الحسم اخترت الصعود من الهاوية، وقررت التآمر مع هذا العلاج الملعون الذى يسرى فى دمى، وأمرته بأن يدمر خلايا السرطان ويأخذ معها خلايا الكره لهذا الجسد. وعاهدت نفسى أن أبدأ عهداً جديداً، أتعلم فيه كيف أبدِّل هذه الخلايا الخبيثة بخلايا حب لـ«غادة»، خلايا لم أعرفها من قبل، وسأصبر على نموها كما سأصبر على العلاج، وعلى نمو شعرى الجديد. 

تحديت الجاذبية

وبعد أسابيع قليلة، نشرت صورة لى وأنا حليقة الشعر على صفحتى فى الـ«فيس بوك»، وسميتها «تحدى الجاذبية». أين الأرض التى أقف عليها؟ ألم يقلب السرطان عالمى رأساً على عقب؟ ومالى أنا بمعاير الجاذبية الأنثوية الصماء الجامدة؟ كان نشرى للصورة بمثابة حرق لكل مراكب العودة إلى شواطئ الراحة والاستكانة، كان إعلاناً للتجدد والتمرد.

انتهيت من الجراحة والعلاج الكيميائى والإشعاعى، وهنأنى الأهل والأصحاب على سلامتى، وتوقع الجميع عودتى إلى حياتى الطبيعية والانتظام فى عملى كمعلمة أطفال. سخرت منهم بينى وبين نفسى، فلم تعد كلمة «طبيعية» تعنى أى شىء بالنسبة لهذه الشخصية الجديدة، العنيدة.

 لم يعد بوسعى المكوث فى قوالب ضاقت على، فقد زادت ثقتى بنفسى وبأنوثتى. كان يجب على الاستماع إلى صوتى الداخلى، إلى حدسى الذى كان يقودنى إلى هدف جديد: مساعدة الإناث اللائى قدر لهن الإصابة بهذا المرض اللعين، وكأن القوى الخفية فى الكون سخِّرت لتحقيق هدفي.

ماما والورم

بدأت بترجمة وتمصير قصة أطفال إنجليزية مصورة تخاطب الأطفال الذين تصاب إمهاتهم بالسرطان: «ماما والورم»، تم نشرها وتوزع بالمجان. كما كنت صاحبة فكرة أغنية «لسه جميلة»، التى استلهم مؤلفها كلماتها من حكايتى مع المرض. وتهدف كلمات الأغنية إلى تعزيز ثقة كل أنثى بنفسها أثناء وبعد معايشة تجربة مرض أليم. أُذيعت الأغنية فى معظم محطات التليفزيون والراديو العربية.

 

إن انتصار كل أنثى قُــدِّر لها أن تصاب بسرطان الثدى، لا يكمن فقط فى مقاومة مراحل علاجه، وإنما فى التغلب على الشعور أنه قد ينتقص من أنوثتها

وعلى التوازى بدأت فى التطوع مع المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدى فى حملات التوعية ضد المرض. وبروح غير قابلة للانهزام وقفت بكل شجاعة أمام جمهور الفعاليات ووسائل الإعلام المختلفة أروى قصتى، آملة أن أكون عنصراً فعالاً فى تغيير نظرة المجتمع السلبية لمرض سرطان الثدى، وتصحيح المفاهيم المغلوطة وزيادة وعيه بأهمية الكشف المبكر. وعندما أدركت تأثيرى الإيجابى وقدرتى على منح الأمل لكثير من السيدات انضممت إلى فريق المؤسسة وتوليت إدارة مركز خدمة المرأة بها. حرصت على إنشاء مجموعات دعم نفسى واستعنت بمدربات حياة «Life Coaches» ومدربات يوجا؛ لمساعدة محاربات المرض على مواجهته.

وفى خلال هذه الرحلة، اكتشفت موهبتى فى الكتابة، وسطرت حكايتى مع سرطان الثدى فى كتاب «الأنثى التى أنقذتني»، الذى نشرته دار «الشروق» فى يناير ٢٠١٧.

أعتز بهذه الجملة من كتابى: «إن انتصار كل أنثى قُــدِّر لها أن تصاب بسرطان الثدى، لا يكمن فقط فى مقاومة مراحل علاجه، وإنما فى التغلب على الشعور أنه قد ينتقص من أنوثتها».

اذا اعجبك المقال يمكنك دعمنا بمشاركته علي احدي المنصات التالية

الوسوم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.

اقرأ أيضاً

القائمة